الشيخ محمد رشيد رضا

60

الوحي المحمدي

شبهة على الوحي حضرة الأستاذ الرشيد : عرضت لي شبهات في وقوع الوحي ( وهو أساس الدين ) فعمدت إلى رسالة التوحيد للشيخ محمد عبده - حيث وقع اختياري عليها - وقرأت فيها بابى ( حاجة البشر إلى الوحي ) و ( إمكان الوحي ) فوجدت الكلام وجيها معقولا ، غير أنّ الحاجة إلى شئ لا تستلزم وقوعه ، وكذا إمكانه وعدم استحالته عقلا لا يقتضى حصوله ، ثم ما ذكر بعد من أن حالة النبي وسلوكه بين قومه وقيامه بجلائل الأعمال وبوقوع الخير للناس على يديه وهو دليل نبوته وتأييد بعثته ، فليس شيئا ؛ فإنه قد يكون ( كون ) النبي حميد السيرة في عشيرته ، صادقا في دعوته - أعنى معتقدا في نفسه - سببا في نهوض أمته ، ولا يكون كلّ ذلك مدعاة إلى الاعتقاد به ، والتسليم به . وقد حدث بفرنسا في القرن الخامس عشر الميلادي إذ كانت مقهورة للإنكليز أن بنتا تدعى ( جان دارك ) من أجمل النساء سيرة وأسلمهن نية ، اعتقدت - وهي في بيت أهلها بعيدة عن التكاليف السياسية - أنها مرسلة من عند اللّه لإنقاذ وطنها ودفع العدو عنه ، وصارت تسمع صوت الوحي ، فأخلصت في الدعوة للقتال ، وتوصّلت بصدق إرادتها إلى رئاسة جيش صغير ، وغلبت به العدو فعلا ، ثم ماتت عقب نصرتها ميتة الأبطال من الرجال إذ خذلتها قومها ، ووقعت في يد عدوها ، فألقوها في النّار حيّة ، فذهبت تاركة في صحائف التاريخ اسما يعبق نشره وتضوع رياه ، وهي الآن موضع إجلال القوم وإعظامهم ؛ فلقد تيسرت لهم النهضة بعدها ، وجروا في العلم والرقى بعيدا . فهل يجزم لذلك أن تلك البنت نبية مرسلة ؟ ربما تذهبون إلى أن عملها لا يذكر مقارنا بما أتت به الرسل وما وصل للناس من الخير بسببهم ، فأقول : هل هناك من ميزان نزن به الأعمال النافعة لنعلم إن كانت وصلت إلى الدرجة التي يجب معها أن نصدق دعوة صاحبها ؟ وهل لو ساعدت الصدف ( كذا ) رجلا على أن يكون أكبر الناس فعلا ، وأبقاهم أثرا ، واعتقد برسالة نفسه لوهم قام ( عنده ) يفضى بنا ذلك إلى التيقن من رسالته ؟ . أظن أن هذا كله - مضافا لغيره - يدعو إلى الترجيح ولا يستلزم اليقين أبدا على أنني أنتظر أن تجدوا في قولي هذا خطأ تقنعوننى به أو تزيدونني إيضاحا ، ينكشف به الحجاب ،